نصر حامد أبو زيد
64
الاتجاه العقلي في التفسير
وقاضيا على صحة ما تؤدّي إليه الحواس . وهذا أمر ضروري خصوصا للرد على أولئك الذين يتشككون في صحة المعرفة الحسية لما يعتورها أحيانا من خداع وعوائق تمنع عن الإدراك الصحيح . وإذا كان الإدراك الحسي يعدّ أول العلم بالمدركات كما قرّر القاضي ، فإنه أيضا يعدّ مقدمة للعلوم الضرورية التي هي من كمال العقل ، أو التي هي العقل في تعريف القاضي . وإذا كانت غاية المعرفة هي معرفة اللّه لمعرفة أوامره ونواهيه - التكليف - فإن المعرفة الإدراكية تحتاج لقدر آخر من المعارف التي يعتبرها القاضي معرفة ضرورية من كمال العقل . « ومن كمال العقل أن يعرف من حال المدركات التي هي الأجسام ما تحصل عليه : من كونها مجتمعة أو متفرقة ، ومن استحالة كونها في مكانين ، لأن متى لم يعلم ذلك لم يسلم له من العلوم ما يجري مجراها ، ولا يصحّ منه الاستدلال على اثبات الأعراض وحدوثها ، وحدوث الأجسام ، وتعلق الفعل بالفاعل ، لأن كل ذلك يستند إلى هذا العلم » 83 وهذه المعرفة بحال المدركات - بعد العلم بها - تعدّ ضرورية في نظر القاضي لارتباطها بأدلّة التوحيد ، لأنها مقدمة لاثبات جواز الاجتماع والافتراق على الأجسام ، وبالتالي اثبات حدوثها . ويؤدي إثبات حدوثها إلى اثبات صانع مخالف لها غير محدث ، ومن ثمّ لا بدّ أن يكون قديما . . الخ كل هذه الاستدلالات التي تؤدّي إلى اثبات اللّه بصفاته من القدرة والعلم والحياة . « ومن كمال العقل أن يعرف بعض المقبحات ، وبعض المحسنات ، وبعض الواجبات ، فيعرف قبح الظلم وكفر النعمة والكذب الذي لا نفع فيه ولا دفع ضرر ، ويعلم حسن الاحسان والتفضّل ، ويعلم وجوب شكر النعم ووجوب رد الوديعة عند المطالبة ، والانصاف ، ويعلم حسن الذم على القبيح إذا لم يكن هناك منع ، وحسن الذم على الاخلال بالواجب مع ارتفاع الموانع وإنما يجب حصول هذه العلوم ، لأنها لو لم تحصل لم يحصل للمكلّف الخوف من ألّا يفعل النظر ، وابتداء التكليف متعلق به ، ولأنه لا يصحّ منه العلم بالعدل إلّا معه ، لأنه متى لم يعرف الفرق بين الحسن والقبيح لم يصح أن ينزّه القديم - تعالى - عن المقبحات ، ويضيف إليه المحسنات » 84 ولا شك أن القاضي عبد الجبار ، ومن قبله مشايخه ، بوضعهم كل هذه المعارف في إطار العلم الضروري ، كانوا يسعون إلى تأكيد أفكارهم العقلية في العدل والتوحيد تأكيدا يلزم خصومهم التسليم بها . ومن الواضح أن هذه المقدمات - أو العلوم الضرورية - فيها الكثير مما يحتاج إلى نظر واستدلال . فكون الجسم لا يخلو من الاجتماع والافتراق وكافة الاعراض - وهو